جواز الطُّرَف (النُّكَت) المضحكة، وضابط الكذب المباح.

السؤال:
ما حكم ما يسمى النُّكَت المضحكة، وهل هي من الكذب المحرم؟
الجواب:
الطُّرَفة ويعبر عنها اليوم بكلمة “النكتة” وهي كلام غير مطابق للواقع يثير المستمع ليضحك استغرابا منه، وهذه النكات نوعان:
النوع الأول: طُرَف (نُكَت) صادقة مطابقة للواقع، وهي مباحة اتفاقا لما صح عن أنس بن مالك (أن رجلا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني حاملك على ولد الناقة» فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟). ولما يروى عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة عجوز، فبكت عجوز، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروها أنها ليست يومئذ عجوز إنها يومئذ شابة» ، إن الله عز وجل يقول: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاء) [الواقعة: 35])، فقوله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة عجوز خبر صادق؛ لأن أهل الجنة يعيشون فيها بسن الشباب، فترجع العجوز شابة في الجنة.
النوع الثاني: طُرَف (نُكَت) كاذبة غير مطابقة للواقع، وهذه التي اختلف فيه العلماء والراجح أنها مباحة شرعاً بشروط:
الشرط الأول: أن لا يقصد المتكلم الكذب، بأن لا يعتقد صدق ما يقول؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من حدث عني بحديث يَرَى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)، فالحديث صريح في اشتراط اعتقاد كذب ما يقول لحرمته بضبط لفظ “يَرَى” في الحديث بالفتح، والفتح والضم ضبطان صحيحان عند أهل العلم. قال النووي: “ضبطناه يُرى بضم الياء… وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من يَرى وهو ظاهر حسن، فأما من ضم الياء فمعناه يظن، وأما من فتحها فظاهر، ومعناه: وهو يعلم، ويجوز أن يكون بمعنى يظن أيضا، فقد حكي رأى بمعنى ظن وقيد بذلك؛ لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه أو يظنه كذبا، أما ما لا يعلمه ولا يظنه فلا إثم عليه في روايته وإن ظنه غيره كذبا أو علمه”.
ولقوله r: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، وجه دلالة الحديث على المراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم حصر قبول العمل بالنية، فما لا نية له صحيحة فلا اعتبار له، وقوله صلى الله عليه وسلم (وإنما لكل امرئ ما نوى) يقتضي أن من نوى شيئاً يحصل له، وكل ما لم ينوه لم يحصل له، فالعلم بالكذب وتعمده شرط للإثم لا لتسميته كذبا عند أهل السنة، والعلم شرط لتسميته كذبا عند المعتزلة، فعلى مذهب أهل السنة من أخبر بشيء على خلاف ما هو عليه وهو يظنه كذلك فهو كاذب وليس آثما فيقيد كونه صغيرة أو كبيرة بالعلم، وعند المعتزلة لا يكون كاذبا ولا آثما، ولا يبعد، للحديث السابق، واتفق الجميع على نفي الاثم عنه.
الشرط الثاني: أن لا يعتقد المستمع صدقه؛ لأنه إن عرف بدلالة المقال أو الحال أن كلامه غير مطابق للواقع وإنما هو مازح به لم يكن كذبا؛ لأن الكذب إخبار غير مطابق للواقع، وعندما يبين الناكت بالتصريح أو التلميح أن كلامه لا يراد به المطابقة أصلاً وإنما إضحاك المستمع لم يعد معنى الكذب موجودا فيه وإن كان ظاهره كذبا، والعبرة في القصود والمعاني لا للألفاظ والمباني، كما يستدل لهذا الشرط بضبط كلمة “يُرَى” في الحديث السابق بالضم، أي يرى المستمع أنه كذب، وفي النكات لا يخطر على بال المستمع أن المتكلم يكذب أصلاً وإنما يريد إضحاك المستمع بعد سماع النكتة، وبهذا الشرط لا تدخل هذه الطُّرَف تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم (ويل للذي يحدث بالحديث لِيُضْحِك به القوم فيكذب، ويل له ويل له)، وفي الطبراني (إن الرجل ليحدث بالحديث ما يريد به سوءا، إلا ليضحك به القوم، فيخر به أبعد من السماء).
الشرط الثالث: أن لا تؤدي هذه النكات إلى الإضرار بالغير ضررا ماديا أو معنويا؛ كما يفعل بعض الجهلة بإخبار الغير أن أباه قد مات أو أن مصيبة وقعت عليه فيرعب المستمع، وهو إيذاء محرم، ومثله النكات العملية كما يفعله بعض الأغبياء بسكب ماء بارد على الغير أو سحب الكرسي من تحته قبل أن يجلس، أو يظهر أمامه فجأة شيئا مخيفا فيفزعه وغيرها مما يؤدي إلى إرهاب الآخرين، فهو من المزاح المحرم؛ لما فيه من إيذاء الغير، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه).
فليس كل كذب محرما، فالكذب ” قد يباح وقد يجب؛ والضابط -كما في الإحياء- أن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل بالكذب وحده فمباح إن أبيح تحصيل ذلك المقصود، وواجب: إن وجب تحصيل ذلك، كما لو رأى معصوما اختفى من ظالم يريد قتله أو إيذاءه فالكذب هنا واجب؛ لوجوب عصمة دم المعصوم، وكذا لو سأل عن وديعة يريد أخذها فيجب إنكاره وإن كذب، بل لو استحلف لزمه الحلف ويوري وإلا حنث ولزمته الكفارة، ومهما كان لا يتم مقصود حرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فالكذب فيه مباح، ولو سأله سلطان عن فاحشة وقعت منه سرا كزنا أو شرب خمر فله أن يكذب ويقول ما فعلت وله أيضا أن ينكر سر أخيه. قال الغزالي بعد ذكره ذلك: وينبغي أن يقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب، وإن كان بالعكس أو شك حرم الكذب، وإن تعلق بنفسه استحب ألا يكذب وإن تعلق بغيره لم تجز المسامحة لحق غيره، والحزم تركه حيث أبيح، وليس من الكذب المحرم ما اعتيد من المبالغة كجئتك ألف مرة؛ لأن المراد تفهيم المبالغة لا المرات فإن لم يكن جاء إلا مرة واحدة فهو كاذب… يؤيده ما في الحديث من استثناء ما فيه صلح بين اثنين أو رجل وامرأة أو في الحرب بأن يوري بغير الجهة التي هو قاصدها، أو في الزوجة لإرادة إرضائها به، ومما يستثنى أيضا الكذب في الشعر إذا لم يمكن حمله على المبالغة فلا يلحق بالكذب في رد الشهادة”.
ومن النكت المحرمة تلك النكات التي يراد بها الاستهزاء بالأشخاص أو أهل بلد أو شعب أو قبيلة معينة.
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي)، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لنا برواية أقاصيص بني إسرائيل والاستماع إليها مع أن كثيرا منها مكذوب، والله تعالى أعلم.
الخلاصة أن هذه النكت مباحة بثلاثة شروط: أن لا يقصد المتكلم بها الكذب، وان لا يصدقه المستمع، وأن لا تؤدي إلى الإضرار بالآخرين، فللكذب أركان ثلاثة وأثر، الركن الأول: المتكلم، فإن لم يقصد الكذب أصلاً فلا يكون آثما، الثاني: المستمع: فإن لم يصدق المتكلم وعرف أنه لا يتكلم عن واقعة حقيقية فكيف يكون مكذوبا عليه، الثالث: المطابقة للواقع، فليت شعري كيف تسمى النكت كذبا والناكت لا يخبر عن واقع أصلاً وإنما ينسج من وحي خياله، ويعرف المستمع ذلك، فلا يوجد واقع متحقق تسقط عليه هذه النكتة، فإن انتفت هذه الأركان لم يعد الكذب متحققا أصلاً، ولا يسمى كذبا على رأي يعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حدث عني بحديث يَرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين) فإن لم ير أنه كذب فلا يكون كاذبا أصلاً، أو لا يكون آثما على الرأي الثاني، والرابع: الأثر المترتب على النكت: فيشترط لحلها أن لا تؤدي إلى الإضرار بالآخرين.
وأنصح بعدم الإكثار من هذه النكات، فلا أقل من كون الإكثار منها من خوارم المروءة، فاتزان المرء بالتقليل منها خير من العبث بالإكثار منها.
مصدر الفتوى من كتاب:
فتاوى معاصرة (2)، ايمن عبد الحميد البدارين، دار النور المبين للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2017م، صفحة (154-158 )



