حكم طلب يد شهيدة لشهيد

السؤال:
استشهدت فتاة من الخليل على يد قوات الاحتلال الصهيوني، فقام أحد الشباب بالثأثر لها وكتب على موقعه على الفيس بوك معلقا على استشهادها: لو كانت أختك ماذا كنت ستفعل؟ فقام والد الشهيد في حفل تأبين الشهيدين بطلب يدها لابنه، فوافق والدها، وأقيم احتفال بهذه الخِطبة، فما حكم ذلك؟ وما صحة ما أفتى به بعض أهل العلم في الخليل بحرمة ذلك؟.
الجواب:
أجيب عن هذه الواقعة بنقاط:
أولا: هذه مسألة رمزية تتعلق بالحث على الجهاد في سبيل الله والثأر لحرائر الأمة، هذه الأمة التي لم تعد تثأر لحرائرها وبناتها، كما تتعلق بالفرح بالشهادة والاستشهاد في سبيل الله ودفع الشباب إليه، كما أن فيها حثا للناس على الصبر على الكربة عند فقد الأحبة إن كان هذا الفقد ترقيا في معالي الشهادة لنيل السعادة، وهي ليست خِطبة حقيقية يراد منها أثرها وأحكامها على أرض الواقع، فعلى الأمة أن تأخذ مثل هذه التصرفات على حقيقتها لا على ظاهرها.
ثانيا: معنى “طلب اليد” في القانون وعرف الناس هو خِطبة لا عقد نكاح، والخِطبة ما هي إلا وعد بالزواج لا عقد زواج، بدليل عدم ذكر التفاصيل من مهر وتوابع وعدم وجود شهود… ولا يقال عن العقد إنه باطل؛ لأنه محض تصرف لم يخالف أصلاً من أصول الشريعة لا عقد، ولا يقال عنه إنه فاسد على أصل الحنفية، لأن الفساد يتعلق بالعقود التي تنقل الملكية أو تورث التزاما متقابلا لا بالتصرفات والأفعال الفردية كالخِطبة؛ لأنها وعد غير ملزم لا عقد.
ولو قلنا إن الخاطبين -وهما والد الشاب ووالد الفتاة- فضوليان، أي تصرفا عن غيرهما دون إذنهما، فتصرف الفضولي على الراجح من أقوال أهل العلم وهو رأي السادة الحنفية وهو المفتى به والمعمول في بلاد الشام هنا أن تصرفه صحيح لكنه موقوف على موافقة من وقعت الخِطبة لصالحهما وهما الخاطبان هنا، فالخِطبة ما هي إلا وعد من الوالدين أن يوافق الولدان على هذا الزواج، فيتوقف نفاذ هذه الخِطبة في الآخرة على رضا الشهيدين، ويغلب على الظن ظاهرا برا بالوالدين أن يوافقا على هذه الخِطبة، فأي شرف وفخر وإباء وكبرياء أن تخطب شهيدة لشهيد.
ثالثا: ما يقوله البعض أن هذه مسألة أُخْرَوِيَّة لا يصح للفقيه أن يحكم فيها مردود بأن هذه الخِطبة تتعلق بشق دنيوي هو فعل الأبوين في الدنيا، وشق أخروي هو إذن الشهيدين في الآخرة، ويجوز للمفتي أن يفتي بأمور الآخرة كما يجوز له أن يفتي بأمور الدنيا، بخلاف القضاء الذي لا يحكم سوى في أمور الدنيا، وجوابي عن هذه المسألة فتوى لا حكم قضائي..
رابعا: يحرم إجراء عقد نكاح على ميت سواء كان شهيدا أو شهيدة لعدم المحل، فلو كان عقد نكاح لكان باطلا اتفاقا؛ لعدم وجود المحل، ولعدم توكيل أو رضى العاقدين، أما الزوجة فعلى قول الشافعية أن عليها من قبل وليها ولاية إجبار فلا يحتاج إلى موافقتها، وعلى رأي الحنفية القائلين بأنها ولاية اختيار لا بد من موافقتها أو توكيلها على الأقل لوالدها، أما الشاب البالغ العاقل فلا بد من موافقته أو توكيله لوالده بطلب يدها اتفاقا، وننبه على أن الإقدام على فعل عقد باطل هو أمر محرم اتفاقا، وعقد الزواج عقد دنيوي لا يمكن إعمال قاعدة تصرف الفضولي فيه، لكن هنا المسألة تختلف لأن ما فعله الوالدان هو خِطبة لا عقد زواج.
خامسا: مما سبق يعلم جواز ما فعله الوالدان وأنه لا حرمة فيه خلافا لما أفتى به بعض أهل العلم، وليت شعري كيف يمكن أن نفتي بحرمة تصرف أقصى ما يمكن أن نقول فيه إنه لغو وعد، أو هذر من الكلام، أو فضول من القول… وحتى لو قلنا بذلك – وهو ما نستبعده – فلا يمكن أن يفتى بحرمة هذا التصرف.
سادسا: على الأمة أن تنظر إلى جوهر المسألة لا إلى شكلها، وإلى باطنها لا إلى ظاهرها، ففي مسند أحمد عن ابن أبي نعيم سمعت عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسأله رجل عن شيء، قال شُعْبة: أحسبه سأله عن المُحْرِم يقتل الذباب؟!، فقال عبد الله: أهل العراق يسألون عنَ الذباب، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله !!، وقد قال رسول الله r:”هما رَيْحانَتيّ من الدنيا”.
هذا ما فتح الله به علي، وهو من وراء القصد، والله تعالى أعلم.
مصدر الفتوى من كتاب:
فتاوى معاصرة (2)، ايمن عبد الحميد البدارين، دار النور المبين للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2017م، صفحة (181-183 )
اكتشاف المزيد من موقع الدكتور ايمن البدارين الرسمي - aymanbadarin.com
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.