الفتاوىفتاوى الأسرةفتاوى العقوبات

حكم إسقاط جنين لخطر بقائه على باقي الأجنة

السؤال:

حملت زوجتي عن طريق الزراعة أربعة أجنة، وسقط أحدها، وأخبرني الأطباء بأن بقاء جنين ثالث فيه خطر على باقي الأجنة، فيجب إسقاط جنين من الثلاثة الباقين، فهل يجوز إسقاطه؟.

الجواب:

ننظر إلى عمر الأجنة، فإن:

أولا: كانت أعمارهم أقل من 120 يوما فلا حرمة في إسقاط أي منهم بإخبار طبيب عدل أن بقاء أحدهم فيه خطر على باقي الأجنة أو الأم؛ لأن الروح على الراجح من أقوال أهل العلم لم تنفخ بعد فيهم، فلا يكون إسقاط أحدهم اعتداء على روح واقعة وإنما متوقعة، فإسقاط أحدهم إسقاط لقطعة لحم لا لإنسان؛ لقوله r: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح)، فالحديث صريح بأن نفخ الروح بعد 120 يوما، فلا روح للجنين قبل ذلك، فلا يكون إسقاطه اعتداء على إنسان حي وإنما على قطعة لحم ميتة، فالروح هي فيصل الحياة.

ثانيا: فإن كانت أعمارهم أكثر من 120 يوما، فلا شك أن الاعتداء على أي منهم هو اعتداء على إنسان، وقتله هو قتل لإنسان، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) [الإسراء: 33] (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: 32].

خاصة إذا علمنا حياته بالوسائل المعاصرة التي لم تكن متيسرة عند الأقدمين، فكان الاستهلال أي أن يخرج الطفل باكيا صارخا عندهم علامة الحياة، أما اليوم، فأصبحت الأجهزة المعاصرة كالألترساوند نستطيع من خلالها معرفة حياته من موته، فإن ثبت كون هذه الأجنة حية بهذه الأجهزة بعد 120 يوما يحرم الاعتداء عليها، ويكون إسقاطها قتلا لإنسان يوجب قتله عقوبة الاعتداء على المرأة والغرة (أن يدفع خمساً من الإبل) لأجل الجنين، ونفتي بحرمة إسقاط أي من هذه الأجنة واحدا أو أكثر إلا بشروط:

الشرط الأول: أن يتيقن موته أو موت غيره ببقائه، ويتبين ذلك بقول طبيبان والأفضل ثلاثة أطباء عدول يخبرون عن يقين لا عن ظن أو ظن غالب قريب من اليقين.

الشرط الثاني: أن يترتب على بقاء الجنين مفسدة أعظم من مفسدة إسقاطه، أي أن يؤدي بقاء أحدهم إلى موت الأم؛ لأن حياة الأصل المتحققة (الأم) أعظم من حياة الفرع (الأبناء) المتوقعة؛ لاحتمال أن لا تستمر حياتهم، فلا يولدون أحياء، أو أن يؤدي بقاء الواحد إلى وفاة اثنين من الأجنة؛ لأن حياة الاثنين أولى من حياة الواحد؛ للقاعدة الفقهية المقررة أن (المفسدة الأعظم تدفع بتحمل المفسدة الأقل) و(الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف) (يختار أهون الشرين)، (من ابتلي بأمرين فعليه أن يختار أهونهما)، (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما)، ومن الأدلة على اعتبار القاعدة قوله: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) [البقرة: 191 – 193]، وجه الدلالة أنه قدم دفع الفتنة مع احتمال القتل؛ فالفتنة أعظم ضررا من القتل، أي ” وشركُهم بالله تعالى أعظمُ من قتلكم إيَّاهم في الحرم “.

والمفسدة الأعظم وهي وفاة الأم أو اثنين من ثلاثة يدفع بتحمل المفسدة الأقل وهو موت الواحد، وكذلك الأمر لو كان بقاء الثلاثة يؤدي إلى موتهم جميعا ولا يستقيم الأمر إلا بإسقاط اثنين منهم، فيحل إسقاطهما إن تيقن ذلك.

 

مصدر الفتوى من كتاب:

فتاوى معاصرة (2)، ايمن عبد الحميد البدارين، دار النور المبين للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2017م، صفحة (141-143 )


اكتشاف المزيد من موقع الدكتور ايمن البدارين الرسمي - aymanbadarin.com

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي من النسخ