لماذا لا يقطع السارق لحاجته ويجلد الزاني وإن احتاج

السؤال:
السلام عليكم سؤال شرعي واسأله لنفسي بكثرة مختصرا وبدون مقدمات سيدي السؤال: اذا كان السارق جائعا وبحاجة للأكل فلا يقام عليه الحد، وهل الزاني اذا لم يجد الزواج ولا يعينه عليه أحد فهل يعامل كمثلها؟ فكيف يعاقب هذا ولا يعاقب هذا أرجو التوضيح والتفسير؟.
الجواب:
أرى أن ثمة فروق بين السارق المحتاج للأكل والزاني المحتاج لقضاء حاجته الجنسية، هذه الفروق جعلت دعوى الجوع دارئاً لحد السرقة، ودعوى الحاجة إلى الجنس غير دارئٍ لحد الزنى وهذه الفروق – في اجتهادي ونظري – هي:
الفرق الأول: من حيث مرتبته:
الطعام ضرورة لا يعيش الإنسان دونها، والجنس حاجة لا ضرورة يعيش الإنسان دونها، والقاعدة الأصولية الفقهية المشتركة (يخفف في الضروريات ما لا يخفف في الحاجيات).
الفرق الثاني: من حيث الحكم:
الأكل والشرب واجب عيني على كل مكلف؛ لحفظ حياته، والزواج مندوب على التعيين فليس فيه حفظ للبدن؛ إذ يعيش الإنسان دون زوجة.
الفرق الثالث: من حيث سهولة تمييز الصدق من الكذب:
الجوع تعرف علامة صدق مدعيه بأوجه كثيرة، كأيام المجاعات وقلة الطعام – كما يحدث اليوم في مناطق عدة من سوريا – ففقر المدعي الشديد يعرف بسهولة من خلال الكشف عن حالته المادية، ومن خلال معارفه وجيرانه وخلانه وأقاربه وفحص ممتلكاته… فيكمن معرفة صدق دعواه بسهولة…
أما من ادعى أن زناه كان لحاجة ماسة دفعته للزنا فلا يصدق؛ لأن دعوى الحاجة الماسة للزنى أمر باطني لا يمكن الاطلاع عليه وضبطه، والأحكام تبنى على الظاهر والله يتولى السرائر، فلا يمكن أن نبني أحكام الدنيا وأحكام القضاء على الأمور القلبية الداخلية الباطنية وإلا لما استقر حكم شرعي، ولضاعت الأحكام وكثر المدعون الكاذبون، ولما استقام أمر الدنيا، فالقاعدة الفقهية المقررة أن (أمور الدنيا على الظواهر والبواطن تبع لها) فلو فتحنا باب دعوى الحاجة النفسية الباطنية الداخلية لما طبقنا عقوبة أو حدا.
وعلى التسليم جدلا أنه لم يجد بديلا عن الزنى فهذا أمره إلى الله، فهو واسع المغفرة، رحيم بعباده، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أما أحكام الدنيا فعلى الظواهر.
الفرق الرابع: وسائل الدفع قبل الوقوع:
لا يوجد وسيلة تدفع الجوع قبل وقوعه، أما الحاجة الجنسية فتدفع بالعمل الدؤوب وإشغال النفس بالطاعات والعبادات التي تحرف بوصلة الشهوة عن الزنا وتضعف أوارها، وتخفف لهيبها، وتقضي على شبقها… ومن أهم وسائل قمع الشهوة (الجوع) ففي صحيح البخاري قال r: «من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء».
الفرق الخامس: وجود البدل:
من فقد الطعام والشراب فأوشك على الهلاك لشدة الجوع فلا بديل لديه إن لم يجد عملا، أو من يهبه طعاما، أو يقرضه مالا ليشتري به طعاماً، أو يتصدق عليه به… وأغلقت جميع طرق كسب الطعام في وجهه فلم يجد إلا السرقة حلاً، فتكون هذه الحالة دارئة موقفة للحد.
أما الحاجة الجنسية لمن فاجأته بقوة فيستطيع دفعها بالاستمناء أو ما يعرف اليوم بالعادة السرية، فقد أوجب الفقهاء على من بلغت شهوته أنه سيسقط في مستنقع الزنا أن يمارس هذه العادة دفعا لشهوته، ومنعا لكبوته، وحفظاً لنفسه من الوقوع في الزنا، فإن فعلها انتهت الشهوة حالا فلم يعد ثمة حاجة للزنا، والقاعدة العامة أنه إذا وُجد بدل مباح للمحرم وجب فعله دفعا للمحرم (فدفع المفاسد مقدم على جلب المنافع)، ولو فرضنا – جدلا – أن العادة السرية محرمة على قول جمهور الفقهاء، فلا شك أنها صغيرة مقابل الزنى اتفاقا، والقاعدة الفقهية المقررة المتفق عليها (يدفع الضرر الأشد بتحمل الضرر الأخف) وقاعدة (الضرورة تقدر بقدرها) فارتكاب صغيرة حال الضرورة أهون من ارتكاب كبيرة، والله تعالى أعلم.
لهذه الفروق – التي فتح الله بها علي سريعا – ولغيرها لو تأملنا أكثر من ذلك نجد الفرق جليا في كون السرقة للجوع دارئة للحد مانعة من إقامته بخلاف دعوى الحاجة إلى الزنا التي لا تعتبر دارئة بل يقام عليه الحد والله تعالى أعلم.
مصدر الفتوى من كتاب:
فتاوى معاصرة (2)، ايمن عبد الحميد البدارين، دار النور المبين للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2017م، صفحة (135-137 )



