حكم التدرج في تطبيق الشريعة: دراسة مقاصدية في ضوء فقه الموازنات للأستاذ الدكتور ايمن البدارين
The Ruling on Gradualism in Applying Sharia: A Maqasid Study in Light of the Jurisprudence of Trade-offs

بين الباحث في مبحث دراسته الأول معنى التدرج في تطبيق الشريعة والفرق بينها وبين التدرج في التشريع وعلاقتها بالمقاصد الشرعية وخاصة فقه الموازنات.
واستنتج في المبحث الثاني أسباب الاختلاف في حكم التدرج في تطبيق الشريعة ومنها مخالفة التدرج لظاهر نصوص شرعية والاختلاف المقاصدي في فقه الموازنات وإعمال سد ذرائع وفتحها ومدى تحقق الضرورة المبيحة للتدرج.
وحَرَص الباحث على تحرير محل النزاع في المسألة في المبحث الثالث مؤكدا الاتفاق على أن اكتمال التشريع واختصاص الله بالتشريع وحده، واتفاق الفقهاء أن الأصل وجوب تطبيق الشريعة كاملة تامة، وأن التدرج وسيلة للوصول إلى تطبيقها الكلي لا غاية، وأن الخلاف منحصر في حكم التدرج في التطبيق حال الضرورة أو الحاجة العامة أو الخاصة التي تنزل منزلته لا في السعة والاختيار من خلال تحقيق مناط الضرورة أو الحاجة الملحة المبيحة للتدرج وفق المقاصد الشرعية والقواعد الفقهية المرعية وخاصة فقه الموازنات بين مصالح ومفاسد تطبيق بعضها والمطالبة بتطبيق كلها ومآلات كل ذلك.
وبين الباحث في المبحث الرابع آراء الفقهاء في حكم التدرج في تطبيق الشريعة.
وحَرَص الباحث على استقراء أدلتهم في المبحث الخامس ومناقشتها وفق قواعد التعارض والترجيح بين الأدلة مستنيرا بالمقاصد الشرعية في ضوء معايير فقه الموازنة خاصة بين المصالح والمفاسد المضبوطة شرعاً.
ورجح الباحث في المبحث السادس جواز التدرج في تطبيق الشريعة حال الضرورة أو الحاجة الملحة العامة أو الخاصة التي تنزل منزلتها دون حال السعة والاختيار، وعندما تكون المفاسد المترتبة على التطبيق الكلي للشريعة أكبر من المترتبة على تطبيقها الجزئي، مع ضرورة احترام اجتهاد الفقهاء المعتبرين في تحقيق مناط هذا الحكم.
Abstract:
This study examines the ruling on gradualism in implementing Sharia through a Maqāṣid-oriented approach, grounded in the Jurisprudence of Balancing (Fiqh al-Muwāzanāt). The research problem arises from the widespread confusion between gradualism in implementation and gradualism in legislation—a confusion that has fueled intense scholarly debate, sometimes escalating to accusations of unbelief (takfīr) among Islamic factions.
The study aims to: (1) clarify the concept of gradualism in implementation and distinguish it from gradualism in legislation, (2) identify the causes of scholarly disagreement, (3) establish the preponderant ruling, and (4) delineate clear criteria for applying gradualism in contemporary contexts. The researcher employs an inductive method to trace jurists’ opinions and evidence, a descriptive method to present them, and a critical-analytical method to evaluate and weigh conflicting evidence according to established principles of reconciliation and preference (al-Taʿāruḍ wa al-Tarjīḥ).
The study comprises six sections. The first clarifies the meaning of gradualism in implementation, distinguishes it from gradualism in legislation, and analyzes its relationship to Maqāṣid al-Sharīʿah, particularly the Jurisprudence of Balancing. The second identifies the reasons for scholarly disagreement, including: (a) apparent contradiction with scriptural texts, (b) differing Maqāṣid-based approaches to the Jurisprudence of Balancing, (c) applying the principle of blocking and opening the means (Sadd al-Dharāʿiʿ wa Fatḥuhā), and (d) varying assessments of whether the necessity (Ḍarūrah) that would permit gradualism is actually met.
The third section delineates the core of the dispute, confirming the consensus that legislation is complete and belongs solely to God, and that jurists agree on the original obligation to implement Sharia fully and completely, with gradualism serving as a means—not an end—to achieve this goal. The disagreement is therefore confined to the ruling on gradualism in cases of necessity (Ḍarūrah) or a pressing public/private need (Ḥājah) treated as equivalent to necessity—not in situations of ease and capacity (al-Siʿah wa al-Ikhtiyār). The dispute centers on determining the relevant grounds (Taḥqīq al-Manāṭ) for such necessity or urgent need, in accordance with Maqāṣid and legal principles, particularly the Jurisprudence of Balancing between the interests (maṣāliḥ) and harms (mafāsid) of partial versus full implementation, and considering their consequences (Maʾālāt).
The fourth section presents jurists’ opinions on the ruling. The fifth inductively examines their evidence and critically discusses it according to the rules of reconciling and weighing conflicting evidence (al-Taʿāruḍ wa al-Tarjīḥ), guided by Maqāṣid and the Jurisprudence of Balancing with respect to legally regulated interests and harms.
The study concludes in the sixth section that gradualism in implementing Sharia is permissible in cases of necessity or an urgent public/private need equivalent to it—but not in ordinary circumstances of ease and capacity—particularly when the harms resulting from full implementation outweigh those of partial implementation. The researcher emphasizes that determining the relevant grounds (Taḥqīq al-Manāṭ) for this ruling remains an ijtihād that should be respected when issued by qualified jurists.
The study contributes to the field by precisely delineating the boundaries of juristic disagreement, establishing clear criteria for applying gradualism, and demonstrating the centrality of the
المدخل
الأمم لا تغيّر منهجها بين يوم وليلة، بل يحتاج هذا التغيير إلى جهد جهيد ووقت مديد، وهذا الأصل أضاعه كثير من دعاة العصر، فعملوا على تغيير المجتمع في أيام معدودات، فلم يستطيعوا ذلك؛ لأن طبائع الناس لا تقبل هذا التسرع في التغيير، لصعوبة ترك حياة ألفوها واعتادوها فجأة[1].
إن موضوع التدرج في تطبيق الشريعة من المسائل المستجدة المعاصرة التي لها أثر كبير على نهضة الأمة، وإعادة تحكيم شرع الله، ووسيلة هامة في إعادة بناء بيت الأمة الإسلامية التي تهدمت أجزاء منه، ولملمة شعثه، وجمع أبنائه على هدف واحد، وهو وسيلة لا غاية، لها آثارها السلبية والإيجابية، بعضها واقع وبعضها متوقع، لذلك وقف المعاصرون من هذه القضية المهمة ما بين محرم ومبيح، بل وخالط بين التدرج في التطبيق والتشريع فأداه هذا الخلط إلى تكفير المخالف، فلا بد من فحص هذه القضية فحصا يظهر الأقرب إلى الصواب فيها إن وجد.
ومن المعلوم أن التطبيق الكامل للشريعة أمر عسير جدا اليوم خاصة مع تخلي الدول الإسلامية المعاصرة عن الحكم بما أنزل الله منذ عقود بعيدة، واستبدلوا حكم الجاهلية من القوانين الوضعية بالذي هو خير فغدت عودتهم لتطبيق كامل شرع الله ضرباً من ضروب الاستحالة العادية، وفي ذلك يقول الخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما قال له ابنه عبد الملك بعدما وَلِيَ والده عمر الخلافة: “يا أبت، مالك لا تنفذ الأمور؟ فو الله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق! قال له عمر: لا تعجل يا بنيّ؛ فإنّ الله ذمّ الخمر في القرآن مرتين وحرّمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعونه جملة ويكون من ذلك فتنة”[2].
والحكم على هذه المسألة فرع عن تصور الواقع المعاصر تصوراً تاماً فاحصاً دقيقاً؛ لإعمال فقه الموازنات، والترجيح بين المصالح والمفاسد، وهذا شأن السابقين من الراسخين، أما الإفتاء من برج عاجي دون غوص في بحر الواقع وعقباته الكؤود فهو مخالف لمنهج العلماء الراسخين فها هو الإمام الأعظم أبا حنيفة النعمان كان ملماً بواقع الناس فقد قيل عنه: “كان أبو حنيفة يناظر أصحابه في المقاييس فينتصفون منه ويعارضونه، حتى إذا قال استحسن لم يلحقه أحد منهم، لكثرة ما يورد في الاستحسان من مسائل فيذعنون جميعاً ويسلمون له”[3]، وعلَّق الإمام أبو زهرة على ذلك بقوله: “وما ذاك إلاَّ لإدراكه لدقيق المسائل، وصلتها بالناس ومعاملاتهم وأغراضهم، فإن استحسن فإنما يأخذ مادته من دراسته لأحوالهم مع دراسات أصول الشرع الشريف ومصادره”[4].
اخترت الكتابة في هذا الموضوع لعدة أسباب أهمها:
- خطورة هذا الموضوع على واقع الأمة الإسلامية ومستقبلها، وإعادة استئناف تحكيم الشريعة الإسلامية الذي أصبح ضرورة محتمة اليوم لخدمة مصالح الأمة واقعا ومستقبلا.
- لأن الخلاف فيه بين التيارات الإسلامية أخذ جانبا شديدا من الإنكار أدى إلى التكفير في بعض الأحيان، إن لم يكن في كثير منها، خاصة بين الشباب المتحمس لتحكيم شرع الله.
- التكفير والتضليل والقدح في النوايا بين أفراد الحركات الإسلامية كما سأبين في السبب الثالث من أسباب الخلاف، بما يقتضي بحثا محايدا لوضع النقاط على الحروف مساهمة في إنهاء هذه المهزلة.
تكمن أهمية البحث في أمور:
- توضيح معنى التدرج في التشريع.
- توضيح المفاهيم والتمييز بين الخلط الحاصل بين التدرج في التطبيق والتدرج في التشريع.
- تحرير النزاع في المسألة، بما يسهم في تخفيف حدة النزاع بين الفرقاء.
- محاولة وضع اليد على أسباب الخلاف، بما قد يسهم في محاولة حلها وتقريب وجهات النظر بين التيارات الإسلامية المتنازعة في هذه القضية الخطيرة.
- الترجيح والموازنة بين الآراء المختلفة في هذه القضية الخطيرة، بما يسهم مع الجهود الأخرى – التي في نفس المضمار – في حلها بما يشكل اجتهاداً جماعياً وإن كان مفرق الأبعاض لكنه بمجموعه يشكل في النهاية وحدة واحدة في سبيل توحيد الجهود والاجتهادات.
استخدمت المنهج الاستقرائي في تتبع أقوال الفقهاء وأدلتهم، ثم المنهج الوصفي في بيان هذه الآراء والأدلة، ثم المنهج التحليلي النقدي لها، جاعلاً من منهج البحث الفقهي الخاص حاكما في هذه العملية النقدية الترجيحية في هذه المسألة الخطيرة.
وقسمت هذه الدراسة إلى مقدمة وستة مباحث بين في المقدمة أسباب اختيار البحث وأهميته ومنهجه وتقسيمه، وجاء المبحث الأول في معنى ” التدرج في تطبيق الشريعة ” وعلاقته بالمفاهيم ذات العلاقة وأسباب اختلاف الفقهاء في القضية. المبحث الثاني: تحرير محل النزاع في المسألة. المبحث الثالث: آراء الفقهاء في حكم التدرج في تطبيق الشريعة. المبحث الرابع: أدلة الفقهاء ومناقشتها. المبحث الخامس: الراجح في المسألة. المبحث السادس: الضوابط الفقهية الحاكمة للتدرج في تطبيق الشريعة. وختمت الدراسة بأهم نتائج الدراسة وتوصياتها.
فهرس المحتويات:
المبحث الأول: معنى ” التدرج في تطبيق الشريعة ” وعلاقتها بالمفاهيم ذات العلاقة. – 5 –
المطلب الأول: معنى ” التدرج في تطبيق الشريعة “. – 5 –
المطلب الثاني: الفرق بين التدرج في التشريع والتدرج في التطبيق. – 6 –
المطلب الثالث: علاقة التدرج في تطبيق الشريعة بفقه الموازنات. – 7 –
المبحث الثاني: أسباب اختلاف الفقهاء في حكم التدرج في تطبيق الشريعة. – 8 –
السبب الأول: مخالفة التدرج لظاهر نصوص شرعية: – 8 –
السبب الثاني: الاختلاف في تنزيل فقه الموازنات على الواقع. – 8 –
السبب الثالث: سد ذرائع فساد التدرج في تطبيق الشريعة: – 8 –
السبب الرابع: الخلط بين التدرج في التشريع والتدرج في التطبيق: – 9 –
السبب الخامس: التفقه النظري دون الواقعي: – 9 –
السبب السادس: مدى تحقق الضرورة أو الحاجة المبيحة للتدرج: – 10 –
السبب السابع: الآثار السلبية للتدرج. – 10 –
السبب الثامن: اختلاف البيئات. – 11 –
السبب التاسع: الاختلاف في ثبوت بعض الأدلة ومدى دلالتها على التدرج. – 11 –
السبب العاشر: التبني المسبق: – 11 –
المبحث الثالث: تحرير محل النزاع في المسألة. – 13 –
المبحث الرابع: آراء الفقهاء في حكم التدرج في تطبيق الشريعة. – 16 –
الرأي الثاني: المحرمون. – 18 –
المبحث الخامس: أدلة الفقهاء ومناقشتها. – 20 –
المطلب الأول: أدلة المبيحين ومناقشتها: – 20 –
الدليل الأول: تغير الأحكام بتغير الأزمان. – 20 –
الدليل الثاني: بالتدرج تدفع المفسدة الأشد بتحمل الأخف. – 21 –
الدليل الثالث: الواقع اليوم لا يتغير دون تدرج. – 21 –
الدليل الرابع: القياس على التدرج في التشريع: – 21 –
الدليل الرابع: التدرج سنة كونية. – 22 –
الدليل الخامس: تطبيق الشريعة جملة في عصرنا تكليف بما لا يطاق. – 23 –
الدليل السادس: الضرورات تبيح المحظورات: – 24 –
الدليل السابع: لم يأمر النبي معاذاً أن يأمر أهل اليمن بالصوم والحج. – 24 –
المطلب الثاني: أدلة المانعين ومناقشتها: – 26 –
الدليل الأول: لا دليل على مشروعية التدرج في تطبيق الشريعة. – 26 –
الدليل الثاني: سد الذريعة نظرا للآثار السلبية الناتجة عن التدرج. – 26 –
الدليل الثالث: الإجماع على وجوب تطبيق الشريعة كلها وحرمة التدرج. – 27 –
الدليل الرابع: النصوص الآمرة بتطبيق شرع الله الدالة على وجوب الحكم بما أنزل الله. – 27 –
الدليل الخامس: رفضه r التدرج مع ثقيف لطلبهم عدم هدم صنمهم. – 29 –
الدليل السادس: رفضه r التدرج مع بني عامر بأن يجعل لهم الحكم بعده. – 29 –
الدليل السابع: الأمر بهجرة المستضعفين غير القادرين على تطبيق كامل الدين. – 30 –
الدليل الثامن: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ). – 30 –
الدليل التاسع: التدرج يتنافى مع كمال الشريعة. – 30 –
المبحث السادس: الراجح في المسألة. – 31 –
ثبت المراجع والمصادر مرتبة هجائيا بحسب أسماء مؤلفيها: – 43 –
لتحميل البحث كاملا يرجى الضغط على الرابط التالي ومشاركته:
| 🔗 رابط التحميل | ⬇️ عدد التحميلات |
|---|---|
| اضغط هنا للمعاينة والتحميل | 26 |

اكتشاف المزيد من موقع الدكتور ايمن البدارين الرسمي - aymanbadarin.com
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



