حكم الاستدلال بكل ما رواه أبو داود في سننه

السؤال:
يقول كثير من القدماء والمعاصرين بأن جميع أحاديث سنن أبي داود يصح الاستدلال بها، فما صحة هذا القول؟
الجواب:
سبب هذا القول هو ما قاله أبو داود في مقدمة سننه: “وما كان فيه وهن شديد بينته” وبحسب مفهوم المخالفة أن ما كان ضعفه قليلا منجبراً سكت عنه ولم يحكم عليه، وهذا واضح جلي بأن ما سكت عنه فيه الصحيح والضعيف، لكن الضعيف فيه ضعف يسير منجبر يصلح لفضائل الأعمال وللمتابعات والشواهد للعمل به في الحلال والحرام من الأحكام، لكن لا يمكن الاعتماد على كل ما فيه في الأحكام المتعلقة بالوجوب والتحريم، ويمكن الاعتماد على كل ما فيه في المندوبات وغيرها من فضائل الأقوال والأعمال.
وقد حرر أمير المؤمنين ابن حجر العسقلاني ذلك أتم تحرير بقوله: جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي. بل هو على أقسام:
1- منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة.
2- ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
3- ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد.
وهذان القسمان كثير في كتابه جدا.
4- ومنه ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبا. وكل هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها.
كما نقل ابن منده عنه أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره وأنه أقوى من رأي الرجال.
وكذلك قال ابن عبد البر: “كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده لاسيما إن كان لم يذكر في الباب غيره”.
وقد ضعف – ابن حجر العسقلاني – طريقة من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عنها مثل: ابن لهيعة، وصالح مولى التوأمة، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وموسى بن وردان، وسلمة بن الفضل، ودلهم بن صالح وغيرهم.
فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به أو غريب فيتوقف فيه، ولا سيما إن كان مخالفا لرواية من هو أوثق منه، فإنه ينحط إلى قبيل المنكر وقد يخرج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن وجيه وصدقه الدقيقي وعثمان بن واقد العمري ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني وأبي جناب الكلبي وسليمان بن أرقم وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وأمثالهم من المتروكين.
وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة وأحاديث المدلسين بالعنعنة والأسانيد التي فيها من أبهمت أسماؤهم، فلا يتجه الحكم لأحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود؛ لأن سكوته تارة يكون اكتفاء بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي في نفس كتابه وتارة يكون لذهول منه. وتارة يكون لشدة وضوح ضعف ذلك الراوي واتفاق الأئمة على طرح روايته كأبي الحويرث ويحيى بن العلاء وغيرهم. وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه وهو الأكثر.
وأما الأحاديث التي في إسنادها انقطاع أو إبهام ففي الكتاب من ذلك أحاديث كثيرة، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يمنع من الاحتجاج بها ما فيها من العلل، فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة، ويقدمها على القياس إن ثبت ذلك عنده. والمعتمد على مجرد سكوته لا يرى الاحتجاج بذلك فكيف يقلده فيه؟
وهذا جميعه إن حملنا قوله: “وما لم أقل فيه شيئا فهو صالح”. على أن مراده أنه صالح للحجة. وهو الظاهر. وإن حملناه على ما هو أعم من ذلك – وهو الصلاحية للحجة أو للاستشهاد أو للمتابعة – فلا يلزم منه أنه يحتج بالضعيف.
ويحتاج إلى تأمل تلك المواضع التي يسكت عليها وهي ضعيفة هل فيها إفراد أم لا؟ إن وجد فيها إفراد تعين الحمل على الأول وإلا حمل على الثاني، وعلى كل تقدير فلا يصلح ما سكت عليه للاحتجاج مطلقا.
وقد نبه على ذلك الشيخ محيي الدين النووي فقال: “في سنن أبي داود أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها مع أنه متفق على ضعفها، فلا بد من تأويل كلامه”. ثم قال: “والحق أن ما وجدناه في سننه مما لم يبينه، ولم ينص على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد فهو حسن، وإن نص على ضعفه من يعتمد أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف ولا جابر له، حكم بضعفه ولم يلتفت إلى سكوت أبي داود”. قال ابن حجر العسقلاني: “وهذا هو التحقيق”.
مصدر الفتوى من كتاب:
فتاوى معاصرة (2)، ايمن عبد الحميد البدارين، دار النور المبين للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2017م، صفحة (50-52 )
أرسل سؤالك إلى الأستاذ الدكتور أيمن البدارين ويصلك الجواب على بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من موقع الدكتور أيمن البدارين الرسمي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




