الفتاوىفتاوى العقيدة

هل صحيح أن من بيت عائشة يطلع قرن الشيطان

السؤال:

رأيت في قناة شيعية طعنا في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن من بيتها تخرج الفتنة وأنه قرن الشيطان، واستدل المُعَمَّم بحديث يدل على ذلك في صحيح البخاري، فرجعت إلى البخاري فوجدت ما قاله صحيحا!!! فما رأيكم في ذلك.

الجواب:

إن عائشة رضي الله عنها أم للمؤمنين (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب: 6] فلا يمكن لمسلم أن يطعن في أمه، فمن طعن بها فهو دليل واضح أنه ليس من المؤمنين، وهي الوحيدة التي برأها الله من فوق سبع سماوات (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) [النور: 12] فمن طعن في عرضها فهو كافر لمخالفته معلوما من الدين بالضرورة، ومن ظن فيها سوءا فليس من المؤمنين بنص الآية.

وجاء في فضلها أحاديث كثيرة منها ما في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء: إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، وفيه أيضا عن عائشة رضي الله عنها، (أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت ” فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي الله صلى عليه وسلم شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر قط، إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة)، وهي من أعز الناس على قلب النبي الله صلى الله عليه وسلم فمن آذاها فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم آذاه الله تعالى، فعن هشام، عن أبيه، (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما كان في مرضه، جعل يدور في نسائه، ويقول: «أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟» حرصا على بيت عائشة، قالت عائشة: «فلما كان يومي سكن»)، وقال نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: (يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها).

وهذا منهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن أبي إسحاق ( أن رجلا وقع في عائشة وعابها، فقال له عمار: «ويحك ما تريد من حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما تريد من أم المؤمنين فأنا أشهد إنها زوجته في الجنة»، بين يدي علي وعلي ساكت)، وقد كان عمار مخالفا لها في معركة الجمل ومع ذلك ما رضي أن يقع أحد في ذمها، (لما بعث علي، عمارا، والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم خطب عمار فقال: «إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها»).

بتتبعي لمنهج الشيعة في شبههم أنهم يقتطعون النصوص ولا يأتون بها في سياقها، فيحرفون الكلم عن مواضعه، فالحديث عن قرن الشيطان ورد في ثمانية مواضع في البخاري هي:

  • عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى المشرق فقال: «ها إن الفتنة ها هنا، إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان».
  • عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: وهو على المنبر: «ألا إن الفتنة ها هنا يشير إلى المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان».
  • حدثنا ليث عن نافع عن ابن عمر، رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مستقبل المشرق يقول: «ألا إن الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان».
  • عن جويرية، عن نافع، عن عبد الله رضي الله عنه، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا، فأشار نحو مسكن عائشة، فقال: «هنا الفتنة – ثلاثا – من حيث يطلع قرن الشيطان».
  • عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان يمان، والفتنة ها هنا، ها هنا يطلع قرن الشيطان».
  • عن سالم عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام إلى جنب المنبر فقال: ” الفتنة ها هنا الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال: قرن الشمس”.
  • عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، وفي يمننا» قال: قالوا: وفي نجدنا؟ قال: قال: «اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا» قال: قالوا: وفي نجدنا؟ قال: قال: «هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» ومثله عن ابن عمر.

الرد على الشبهة وتوجيه الحديث:

بمقارنة بسيطة بين هذه الروايات يرى المرء قدر التحريف والكذب والتضليل الذي أتى به هؤلاء، وبيان ذلك:

  • أراد النبي صلى الله عليه وسلم جهة الشرق لا مسكن عائشة: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقبلة المسجد إلى الجنوب، والنبي يكلم الناس مواجها لهم إلى الشمال وظهره إلى القبلة، وهو يتكلم أشار إلى مكان قرن الشيطان وهو منطقة نجد التي تقع شرق المدينة، بل اتجه بكل جسده إلى الشرق في احدى الروايات، وبيت عائشة يقع شرق المحراب ملتصقا بالمسجد، فذكر مسكن عائشة باعتباره علامة على الشرق لا باعتباره موطن الفتنة.
  • أن “مسكن عائشة” من قول الراوي لا النبي صلى اللهرعليه وسلم: فمعظم الرواة لهذا الحديث لم يذكروا بيت عائشة، وإنما نقلوا ما شاهدوه من فعل النبي أنه ” يشير إلى المشرق”، “مستقبل المشرق”، ” والفتنة ها هنا” فكل واحد ينقل ما شاهده مخبرا بذلك عن رؤيته لا ناقلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالرواة نقلوا ما شاهدوه لا ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم.
  • أكثر روايات الحديث ذكرت الشرق أما ذكر المسكن فهو من فهم الراوي: أن الرواية التي جاء فيها مسكن عائشة رويت عن عبد الله بن عمر، وأكثر الرواة عنه لم يذكروا مسكن عائشة وإنما جهة الشرق، فأوثقهم رواية الإمام مالك بن أنس يروي عن إمام التابعين عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر حيث ذكر جهة الشرق لا مسكن عائشة، وابن عبد الله بن عمر وهو سالم أقرب الناس إلى أبيه وأوثقهم رواية عنه كذلك، والذي ذكر مسكن عائشة هو أحد الراويين عن نافع خادم عبد الله بن عمر حيث روى ليث عن نافع عن عبد الله بن عمر جهة الشرق لا مسكن عائشة، ولم تذكر مسكن عائشة سوى جويرية عن نافع مما يدل أنها روت بالمعنى؛ لأن جويرية أنثى فأقرب علامة إلى قلبها وبصرها من جهة الشرق مسكن عائشة.
  • أن رواية جويرية أيضا لا تدل على مسكن عائشة بل نصها (فأشار نحو مسكن عائشة) فذكرت كلمة “نحو” أي جهة لا نفس المسكن، أي أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى جهة مسكن عائشة، وهذه الجهة هي الشرق، ولم تقل جويرية عن نافع مطلقاُ ” فأشار إلى مسكن عائشة ” فكيف أسقط هؤلاء المحرفون كلمة (جهة).
  • أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد مقارنة بين بلدين في هذه الأحاديث، البلد الأول هو اليمن والشام، فلا يمكن لا لغة ولا عقلا ولا ذوقا أن تكون جهة المقابلة الأخرى بيت عائشة بل بلد مثل اليمن والشام وهذا البلد كما في صحيح البخاري هو نجد أو بلداً يقع في المشرق كبلاد فارس.
  • أنه لو سلم جدلاً – وهو لا يسلم – أنه قصد بيت عائشة رضي الله عنها، فقد تكلم عن المسكن لا عن عائشة، فلماذا حمل الشيعة الذم على عائشة، مع أنه متعلق بالمسكن لا بالساكن.
  • أن مسكن عائشة ضم جسد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما، فمنه شع نور الهداية، وكان قرنا في الهداية لاحتوائه على جسد النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي تهفو إليه أفئدة المسلمين في كل مكان، وأبو بكر الصديق الذي ذكره الله مادحا له في (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40] فكان الله معه، وفاروق هذه الأمة الذي لو قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم (لو كان نبي بعدي لكان عمر بن الخطاب)، فكيف يكون مصدر الفتنة وقرن الشيطان.
  • لو كان المراد بفتنة وقرن الشيطان عائشة لما أبقاها النبي صلى الله عليه وسلم على ذمته لتحظى بشرف أن تكون أما للمؤمنين، فلو طلقها لما بقيت زوجته ولما بقيت أما لنا؛ فعلة الأمومة للمؤمنين كونهن أزواجه صلى الله عليه وسلم بنص الآية (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب: 6]، فلو طلقها لما عادت كذلك، ولكان أحد سبل قطع فتنتها، لا أن يبقيها ويحرص أن يموت في حجرها بين صدرها ونحرها ويمدحها بأحاديث كثيرة تبين واسع فضلها، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها فكيف يحب من يخرج من عندها الفتنة وتكون قرنا للشيطان وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نحب لله ونكره لله!!!
  • ليس من منهج النبوة في إنكار المنكر أن يفضح شخصا على المنبر، بل المنهج النبوي أن ينتقد الخطأ لا المخطئ، فمنهجه النصيحة بنقد المنكر لا الفضيحة لفاعله، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري (ما بال أقوام يشترطون شروطا، ليس في كتاب الله)، وقوله صلى الله عليه وسلم (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم)، وقوله في صحيح مسلم (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
  • أن هذا الحديث يتعارض مع أحاديث كثيرة في فضل عائشة، ومكانتها الكبيرة في الاسلام، وقد بينت طرفا منها في مقدمة هذه الفتوى، وهي أحاديث صريحة فصيحة واضحة قطعية الدلالة، وحديث مسكن عائشة محتمل الدلالة – كما بينا – فتقدم الأحاديث قطعية الدلالة على محتملة الدلالة.
  • أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن تؤخذ مجتزأة مقصوصة عن سياقها وغيرها من الأقوال، فأقوال كل إنسان تفهم مع بعضها، ويكمل بعضها بعضا؛ لأن من يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم يروي جزءاً مما تذكره أو سمعه، فلفهم أحاديث النبي كان منهج العلماء على مر الأعصار وفي شتى البلدان جمع كل ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم حول موضوع معين لفهمه فهما أشمل.

وقد نص النبي صراحة في أحاديث كثيرة في البخاري وفي غيره أن قرن الشيطان هي نجد، وقد يكون المراد من نجد الجهة لا نفس المكان فيكون المراد مسيلمة الكذاب لأنه جاء من الشرق، أو القرامطة الذين قتلوا الحجيج وسرقوا الحجر الأسود عشرين سنة وكانوا يسكنون في الشرق في البحرين، أو المجوس لأنهم جاءوا من الشرق.

والأقرب في نظري أنهم أحفاد الفرس الذي حرفوا دين الله وأنشأوا عشرات الفرق الشيعية لتحريف هذا الدين العظيم فكانت أعظم فتنة منذ ثلاثة عشر قرنا إلى اليوم ولا زال شرها مستطيرا إلى اليوم في باكستان وأفغانستان وإيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين… والله تعالى أعلم.

مصدر الفتوى من كتاب:

فتاوى معاصرة (2)، ايمن عبد الحميد البدارين، دار النور المبين للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2017م، صفحة (17-23)


اكتشاف المزيد من موقع الدكتور ايمن البدارين الرسمي - aymanbadarin.com

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي من النسخ